هشام جعيط
334
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
- 25 - الكوفة وبغداد سبق أن اقترحنا وجود تسلسل مزدوج بين الكوفة وبغداد ، بداية وأصلا عن طريق تدخل واسط وثانيا بالعودة المباشرة إلى التصور الحضري الكوفي بصورة شاملة وتفصيلية . لكن بمفعول العودة يتبين تأثير بنية بغداد على الكوفة وهي ما زالت في حالة تطور . لقد ألح التقليد الاستشراقي مدة طويلة على الطابع الفارسي الذي طبعت به بغداد « 1 » ، وهو أمر واقع لكنه يبدو ثانويا . واليوم أكثر من أي وقت ، تفرض نفسها على المؤرخ فكرة الاستمرارية الهيكلية بين الإرث الأموي والانشاءات العباسية الأولى ، لكن مع وجود انفصام معين . وفي الجملة فقد جمعت بغداد - طبق نظام زمني معكوس - بين واسط والكوفة ، وتجاوزتهما في آن . كانت الكوفة عاصمة إدارية للعباسيين قبل سنة 149 ه / 672 ، لأنها اشتملت على الدواوين المركزية « 2 » . وكانت العاصمة السياسية تتجسم قطعا في المدينة حيث يقيم الخليفة في تنقلاته المختلفة ، ولا سيما مدينة ابن هبيرة في خلافة المنصور « 3 » . لكن هذه المدينة
--> ( 1 ) Streck , Die alte Landschaft Babylonien , p . 56 ؛ وانظر أيضا : Creswell , Early , Muslim Architecture , II , pp . 18 - 21 . الذي ألح خاصة على التصميم المستدير وجعل منه نسخة من درابجرد وغور وطيسفون . وقد لاحظ صالح أحمد العلي التشابه بين المدينة المستديرة المحصنة والقهندزات الفارسية : انظر : Hourani - Stern , The Islamic City p . 93 ؛ في حين أن لاسنر نازع في كل فكرة للتسلسل الفارسي : . Lassner , op . cit . , pp . 132 - 133 لكن صالح العلي أكد الاستمرارية مع الأمصار في مستوى الهياكل الإدارية والبشرية فيما يكرس لاسنر النموذجية الإمبراطورية لمدينة طيسفون - سلوقية المتوأمة . إن التصميم المستدير وجد منذ القدم في وادي الرافدين . لكن الاستدارة لم تكن منتظمة تماما . وقد انفردت مدينة زنجرلي ( آخر الألفية الثانية ) بالصفة الدائرية الكاملة ، وكانت تقع بأعلى الشام . ولقد بنيت كثير من المدن الدائرية بعد سقوط امبراطوريتي بابل وسلوقية » انظر : . Oppenheim , op . cit . , p . 146 . ( 2 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 293 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 285 . سماها كذلك « المدينة الهاشمية » . الواجب تمييزها عن هاشمية أخرى قريبة منها كما -